عدنان زرزور
30
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
حتى كانت العربية اللسان المشترك لشعوب أمة واحدة ، هجرت إليها ألسنتها القومية دون أن يجبرها أحد على ذلك ، كما لم يكرهها مكره على أن تتخلى عن عقائدها وأديانها لتعتنق الإسلام ، بل تركت لغة العرب تخوض معركتها مع لغات الشعوب الداخلة في الإسلام » « 1 » . ( ب ) القوة الواقية : أما « القوة الواقية » أو دور حفظ اللغة العربية وتحصينها ، الذي تم بفضل « وجود » القرآن الكريم فهو أخطر دور يمكن أن يؤديه كتاب للغة من اللغات ، هذا إن وجد كتاب آخر - سماوي أو وضعي - أدّى قريبا من مثل هذا الدور أو عشره في لغة من لغات الأرض ! وغني عن البيان أن مثل هذا الكتاب - أيا كان مصدره - ليس له وجود . لقد وقف القرآن ، وخصوصا في الزمن الذي انقسمت فيه الدولة العربية الإسلامية إلى مدن ودويلات ، حائلا وسدا دون سريان اللهجات المحلية وانتشارها ، ولولا هذا الكتاب الكريم الذي صانه اللّه تعالى عن التحريف والتبديل ، وتكفّل بحفظه إلى يوم الدين ، لما كان نصيب اللغة العربية من التجزؤ والانقسام بأقل منه في اللغة اللاتينية وما آلت إليه اليوم . . . وبفضل هذا الكتاب الخالد بقيت الوحدة اللسانية - والفكرية - قائمة بين شعوب الأقطار العربية ، وبفضله كذلك نقرأ اليوم أدب العربية من عصر الجاهلية إلى العصر الحديث . . . في مدة ستة عشر قرنا من الزمان ! « 2 » .
--> ( 1 ) لغتنا والحياة . . ( 2 ) هذا هو منشأ هذه الظاهرة الفريدة ، بل لو قدر اللّه تعالى لرجل مات من ألف عام أن يسمع اليوم المتحدثين بالعربية لعرفها وما أنكرها . وربما علل بعضهم ما أشرنا إليه من عدم تعرّض العربية لخطر التفكك والانحلال بأن ذلك يعود إلى عناية علماء الإسلام بضبط لغتهم ، وذلك من أجل المحافظة على القرآن الكريم . وهذا عندنا وارد بدون شك ولا -